هل تؤيد عودة العلاقه الخليجيه السوريه؟

الإستفتاءات السابقة

مصر والنظام العالمى ٢٠١٩

مصر والنظام العالمى ٢٠١٩
مصر والنظام العالمى ٢٠١٩

اشترك لتصلك أهم الأخبار

بينما تعيد مصر بناء نفسها، فإنها تتحرك فى بيئة دولية وإقليمية لابد أن تتعامل معها لما لها من تأثير على الأمن القومى المصرى، وخطط التنمية الاقتصادية المصرية، والاستقرار السياسى للدولة فى مصر. ومفهوم هذه البيئة عادة ما يتكون من 3 مكونات رئيسية: أولاً درجة التطور التكنولوجى والصناعى فى العالم؛ ثانياً توازن القوى العالمى بين القوى الرئيسية فى العالم؛ ثالثاً حركة هذه القوى فى المحيط المباشر لمصر، أى على حدودها، والإطار العام فى الشرق الأوسط وما يسببه ذلك من تنافس أو تعاون أو صراع.

والثابت حتى الآن أن العام المنصرم ٢٠١٨، والأعوام السابقة عليه، قد بدأت التمهيد لدخول العالم إلى ثورة صناعية رابعة سوف يبدأ العالم شهادتها خلال العام المقبل، سواء كان ذلك فى استخدامات عسكرية أو مدنية. ورغم أن دول العالم قد اقتربت من هذه الثورة بمسافات متفاوتة، فإنها تركزت فى القوى العظمى والكبرى، وخلقت مجالا جديدا للحرب هو ما بات معروفا بالحرب السيبرانية الموجهة إلى الطاقات العسكرية والمدنية للدولة، كما أنها خلقت مجالات جديدة للتنمية باختراقات كبيرة فى المجالات الإنسانية والزراعية والصناعية حينما تقوم على التزاوج بين «تكنولوجيا المعلومات» و«التكنولوجيا الحيوية». هذه الثورة الجديدة تمثل تحديا كبيرا لمصر، وتتطلب حشد الطاقات بشأنها، مع البدء بلجنة عليا من علماء مصر الكبار لبحث التعامل معه لدرء الخطر، وانتهاز الفرصة.

وإذا كان حدوث ثورة تكنولوجية صناعية جديدة يمثل ثورة فى النظام العالمى، فإن إعادة تركيب توازن القوى بين القوى الرئيسية فى النظام يمثل ثورة أخرى ظهرت شواهدها فى عام ٢٠١٨، والمرجح أنها سوف تخرج إلى العلن خلال العام المقبل. والشائع فى علوم العلاقات الدولية هو أنها ترتكز على القوى العظمى وعلاقاتها وسعيها إلى الهيمنة ومد النفوذ والمنافسة بالسلم أو بالحرب أو بالردع مع القوى العظمى الأخرى. والشائع أيضا أن توصف المنظومة الرئيسية بعدد الأقطاب فيها، فيقال النظام متعدد الأقطاب كما كان الحال ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، أو نظام القطبين كما كان فى أعقاب الحرب الثانية حينما انفردت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى بالنظام الدولى، أو نظام القطب الواحد كما كانت بريطانيا ما بين ١٨١٥ بعد هزيمة نابليون و١٩١٤ ونشوب الحرب العالمية الأولى، والولايات المتحدة الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفيتى عام ١٩٩١ وحتى عام ٢٠٠٨ عندما جرت الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية، وهو العصر الذى سمى بالعولمة شكلا، أما فى الحقيقة فقد كانت الولايات المتحدة هى القائدة العظمى الوحيدة فى العالم. الآن فإن العالم لم يعد أسيرا لقوة عظمى وحيدة لأن التحدى للولايات المتحدة بات كبيرا، كما أن العالم لم يعد متعدد الأقطاب، أو على الأقل ليس فى عام ٢٠١٩، على عكس ما كان شائعا أن اليابان والهند وأوروبا الموحدة سوف تدخل فى منظومة التنافس على قيادة العالم وتوجيهه، ولكن العالم يدخل حثيثا إلى منظومة ثلاثية القوى العظمى: الولايات المتحدة الأمريكية، دولة روسيا الاتحادية، جمهورية الصين الشعبية.

والسبب فى ذلك أن القوى الثلاث الأولى تعانى من نقاط ضعف هيكلية على الأقل خلال هذه المرحلة تجعلها أقل طموحا نحو هذه المكانة العالمية، أما القوى الثلاث التالية فإن الناتج المحلى الإجمالى للولايات المتحدة والصين يتقارب يوما بعد يوم، وفى الوقت الراهن فإنه بالحساب استنادا إلى القوة الشرائية للدولار فإن الناتج الصينى يتفوق على ذلك الأمريكى، وأخذا لمعدلات النمو الراهنة فإن الصين فى طريقها إلى مزيد من التفوق خاصة بعد الريادة فى مجالات الثورة الصناعية التكنولوجية الرابعة. النمط الذى يدور فى تفاعلات البلدين يشير إلى تنافسهما والولوج من المنافسة إلى الحرب التجارية، والاستراتيجية فى بحر الصين الجنوبى، والسياسية بالعقوبات الأمريكية على حلفاء للصين مثل كوريا الشمالية وإيران والتى تضغط فيها واشنطن على دول العالم للاختيار ما بينها وبين الصين. ويحدث ذلك بينما تجرى حرب باردة جديدة بين واشنطن وموسكو، وفى عام ٢٠١٤ نشرت دورية «الشؤون الخارجية» الأمريكية مقالا بعنوان «إدارة الحرب الباردة الجديدة»، وفى عام ٢٠١٦ «الجغرافيا السياسية الدائمة لروسيا»، و«البحث عن مكانة روسيا المشروعة»، و«إحياء القوة العسكرية الروسية» (هذا بعد ضم روسيا للقرم واحتكاكها بأوكرانيا وفرض العقوبات الأمريكية عليها، وتدخلها العسكرى المباشر فى سوريا). وفى العام ٢٠١٨ نشرت مجلة «الشؤون الخارجية» فى عدد يناير «احتواء روسيا مرة أخرى»، وفى عدد مارس «هل بدأت حرب باردة جديدة؟».

دار الزمان دورته وعادت الحرب الباردة من جديد بين موسكو وواشنطن، بينما كانت حرب باردة أخرى تجرى بين واشنطن وبكين. الأولى فى جوهرها استراتيجى، مسرحها أوروبا والشرق الأوسط، والثانية تبدو اقتصادية تدور حول التجارة، ولكنها هى الأخرى استراتيجية حول السيطرة والنفوذ فى العالم. الحربان تدوران بين ثلاث قوى: الولايات المتحدة الأمريكية التى لا تزال نظريا القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى فى العالم، وروسيا التى أيا كانت حالتها الاقتصادية متواضعة إلا أن لديها أكثر من ٩٠٠٠ رأس نووية تكفى لتدمير الكرة الأرضية عدة مرات، كما أن لديها مجالات متميزة للتفوق التكنولوجى فى السلاح والفضاء، والأهم من ذلك كله أن لديها الإرادة السياسية للحركة واستخدام القوة العسكرية، والصين التى ليس لديها قوة اقتصادية جبارة فقط، ولكنها أيضا القوة الواعدة من حيث معدلات النمو والتكنولوجيات الحديثة، فلأول مرة فى التاريخ البشرى أصبح بمقدور الصين منافسة أمريكا فى بعض مجالات التطور التكنولوجى. هذه حالة جديدة على العلاقات الدولية فى التاريخ المعاصر، ليس فقط بسبب العدد الثلاثى، ولكن لأنها تأتى فى ظروف مختلفة تاريخيا عما كان عليه الحال طوال القرن العشرين والبدايات الأولى للقرن الحالى. التطورات التكنولوجية أعطت للأطراف الثلاثة ما لم تعطه إلى دول وقوى أخرى مثل الهند أو الاتحاد الأوروبى الذى أضعفه الخروج البريطانى من الاتحاد، وضعف اقتصاديات أساسية فيه مثل إيطاليا وإسبانيا واليونان، فضلا عن تراجع النزعة «الأوروبية» بين دول الاتحاد، وهو ما فى مجموعه خلق ضغوطا كبرى على ألمانيا وفرنسا لا يعرف أحد متى تضيقان بها. ولكن ربما كانت أهم الظروف التى تميز هذه المرحلة فهى الظرف الخاص بتولى دونالد ترامب الإدارة الأمريكية خلال هذه المرحلة، ونزعته الانعزالية والتى ترجمتها الانسحاب من الشرق الأوسط، وإضعاف حلف الأطلنطى والاتحاد الأوروبى، وعلاقات أمريكا مع حلفائها الآخرين فى اليابان وأستراليا.

التركيبة الحالية للنظام الدولى بخصائصها الجديدة ظهرت فى الشرق الأوسط قبل أن ينتهى العام ٢٠١٨ عندما قررت إدارة الرئيس ترامب سحب القوات الأمريكية من سوريا و٧٠٠٠ جندى أمريكى من أفغانستان، وهو اتجاه سوف يتأكد خلال العام ٢٠١٩ بالانسحاب الكامل من أفغانستان والذى يحتمل أن يؤدى إلى انسحاب باقى القوات الأطلنطية الأخرى. النتيجة المباشرة لذلك سوف يكون توفير طاقة جديدة للحركات الإرهابية فى العالم، والنفخ فى عدم الاستقرار فى الدول الهشة بالشرق الأوسط. النتيجة الثانية هى إعطاء دفعة كبيرة لكل من تركيا وإيران لتحقيق أهدافها بإضعاف القدرات الكردية بالدرجة التى تراها تركيا غير مهددة لها، مع بقاء نظام بشار الأسد فى سوريا، مع تواجد إيرانى بعيد عن الحدود الإسرائيلية، مع بقاء روسى فعال فى منطقة المشرق العربى تسعى فيه إلى توفير الظروف تحت رعاية موسكو لاستئناف عملية السلام العربية الإسرائيلية. إسرائيل من ناحيتها سوف تسعى إلى إبقاء الأوضاع القائمة على ما هى عليه، مع السعى إلى توفير حالة من القبول بضم مرتفعات الجولان والضفة الغربية كورقة تفاوضية للحصول على الهدف الأول، بينما تسعى فى نفس الوقت لتوسيع نطاق نفوذها غربا فى اتجاه اليونان وقبرص من خلال مشروع لأنابيب الغاز.

كيف تتعامل مصر مع هذا الواقع الجديد، وهل تصلح الاستراتيجيات السابقة مثل عدم الانحياز أو اللحاق بالغرب أو بالشرق لهذه المرحلة المختلفة عما سبق؟ الأمر يحتاج أولا إلى إدراك لحقيقة ما يحدث، فرغم ثلاثية القوى العظمى الراهنة فإن سلوك كل منها يختلف عن الأخرى خاصة تحت القيادات الحالية التى سوف تبقى فى العام ٢٠١٩، فالصين تختار أهدافها بدقة بحيث تخدم طاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية، وهى ليست على استعداد للتورط الاستراتيجى فى منطقة غير شرق آسيا، والولايات المتحدة تمارس حالة انسحاب عالمى مقتنعة بأن الحدود الأمريكية تكفيها، وقوتها العسكرية تحميها دفاعا وردعا، سواء ضد القوى الأخرى أو ما تعتبره التهديد الرئيسى عليها وهو جحافل الهجرة إلى الولايات المتحدة. روسيا بين القوى الثلاث هى التى لديها الدافع (استعادة مكانة الاتحاد السوفيتى مرة أخرى)، ولديها الإرادة (فلاديمير بوتين)، والقدرات العسكرية للتحرك ما وراء حدودها وهو ما فعلته فى جورجيا وأوكرانيا، وسوريا. وثانيا تحديد مصالحنا بدقة ووضوح، والتحرك فى اتجاهها بحكمة ومعرفة. وثالثا أن استمرار عملية بناء طاقات القوة المصرية اقتصاديا وعسكريا وسياسيا هو الذى سوف يعطينا المرونة الكافية للحركة فى كل الاتجاهات. ورابعا بأن تجمعنا وتحالفنا العربى هو الذى يعطينا فرصا أكبر، أيا كانت الاستراتيجية التى سوف نتبعها.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق أبو الحسن: للتحرك سريعا لفك عزلة بلدات أعالي المتن الأعلى
التالى وزير الأوقاف يقرر تغيير أسماء المساجد التى تحمل أسماء جماعات أو جمعيات